الشيخ محمد هادي معرفة

81

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

صحابته ، وهم منها براء . وإنّما أولع بها أصحاب الحديث من الحشوية ، حسبما تقدّم . « 1 » نعم تستّرت الأشعرية بسفسفة أخرى ، اتخذوها شعارا لمذهبهم ، فقالوا : إنّه تعالى يُرى بلا كيف ، وله وجه بلا كيف ، وله يد بلا كيف ، وهلمّ جرّا وحاولوا بذلك الفرار عمّا يوجّه إليهم من اعتراض : كيف يرى ؟ وهل تكون رؤيته تعالى كرؤية بعضنا بعضا ؟ أرادوا بذلك إلجاءهم إلى محاذير التجسيم والجهة والإشارة . فقالوا : لا يسأل بكيف . ومن ثمّ هجاهم المعتزلة بأنّه قول بلا علم ، ورواية بلا دراية ، قال الزمخشري : ثمّ تعجّبٌ من المتّسمين بالإسلام ، المتّسمين بأهل السنّة والجماعة ( يعني بهم الأشاعرة ) كيف اتّخذوا هذه العظيمة ( جواز النظر إليه تعالى ) مذهبا ، ولا يغرّنك تستّرهم بالبلكفة « 2 » فإنّه من منصوبات أشياخهم ( أي حبائلهم المغرية ) . والقول ما قال بعض العدلية فيهم : وجماعة سمّوا هواهم سنّة * لَجماعةٌ حُمُر لعمري موكفة « 3 » قد شبّهوه بخَلقه وتخوّفوا * شنع الورى فتستّروا بالبلكفة « 4 » أمّا أهل العدل والتنزيه فكانت نظرتهم في توحيد اللّه نظرة في غاية السموّ والرفعة ، فطبّقوا قوله تعالى : « لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ » « 5 » أبدع تطبيق وبيّنوه أحسن بيان ، وحاربوا الأنظار الوضعية التي تُثبت للّه تعالى جسما ، له وجه ويدان وعينان ، وله جهة هي الفوقيّة وأنّ له عرشا يستوي عليه ، وأنّه يُرى بالأبصار ، وأنّه خلق آدم بيده ، إلى آخر ما قالته الأشاعرة وأذنابهم من المشبّهة والكرّامية - حسبما تقدّم - فأتى أهل العدل وسَمَوْا على هذه الأنظار ، وفهموا من روح القرآن تجريد اللّه عن المادية ، فساروا في تفسيرها تفسيرا دقيقا واسعا ، وأوّلوا ما يخالف هذا المبدأ ، وسلسلوا عقائدهم تسلسلًا منطقيا . فإذا كان اللّه تعالى ليس مادة ، ولا مركّبا من مادة ، فليس له يدان ولا وجه ولا عينان ، لأنّ ذلك يدلّ على جزء من

--> ( 1 ) - راجع : جامع البيان ، ج 11 ، ص 73 - 75 ؛ والدرّ المنثور ، ج 3 ، ص 305 - 307 . ( 2 ) - البلكفة : مخفّف « بلا كيف » مصدر جعلي . كالحوقلة والبسملة . ( 3 ) - الوكاف : البرذعة وهو ما يلقى على ظهر الدابة . ( 4 ) - راجع : الكشاف ، ج 2 ، ص 156 ، ذيل الآية 143 من سورة الأعراف . ( 5 ) - الشورى 11 : 42 .